عبد الرحمن السهيلي

81

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

استدراك على ابن إسحاق في مهاجري الحبشة : وذكر ابن إسحاق من بني الحارث بن قيس من هاجر إلى أرض الحبشة ، ولم يذكر فيهم تميم بن الحارث . وذكره الواقدي وغيره . والحارث بن قيس كان أبوه من المستهزئين الذي أنزل الله فيهم : « إنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين » الحجر . حول بني زهرة وطليب بن عبد وذكر من بني زهرة من هاجر إلى أرض الحبشة ، وهم ستة نفر ، ولم يذكر السابع ، وهو : عبد الله بن شهاب جد محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري ، وكان اسمه : عبد الجان ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم : عبد الله مات بمكة بعد الفتح وأخوه : عبد الله الأصغر شهد أحداً مع المشركين ، ثم أسلم . وذكر المطلب بن عبد عوف ولم يذكر أخاه طليباً ، وكلاهما هاجر إلى أرض الحبشة ، ومات فيها ، وهما أخوا أزهر بن عبد عوف . ذكر بعض المسائل اللغوية التي ذكرت في شعر الهجرة الحبشية : فصل : وأنشد لعبد الله بن الحارث ما قاله في أرض الحبشة ، وفيه قوله : ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا * وعائذاً بك أن يعلو فيطغوني أنشده سيبويه فيما ينتصب على الفعل المتروك إظهاره ، وذلك لحكمة ، وهي أن الفعل لو ظهر لم يخل أن يكون ماضياً أو مستقبلاً ، فالماضي يوهم الانقطاع ، والمتكلم إنما يريد أنه في مقام العائذ ، وفي حال عوذ ، والفعل المستقبل أيضاً يؤذن بالانتظار ، وفعل الحال مشترك مع المستقبل في لفظ واحد ، وذلك يوهم أنه غير عائذ ، فكان مجيئه بلفظ الاسم المنصوب على الحال أدل على ما يريد ، فإن عائذاً كقائم وقاعد ، وهو الذي يسمى عند الكوفيين : الدائم ، فالقائل : عائذاً بك يا رب ، إنما يريد : أنا في حال عياذ بك ، والعامل في هذه الحال : تكلمه ونداؤه ، أي : أقول قولي هذا عائذاً ، وليس تقديره : عذت ولا أعوذ ، إنما يريد أن يسمعه ربه ، أو يراه عائذاً به . وقوله : أن يعلو يجوز أن تكون أن مع ما بعدها في موضع نصب ، وفي موضع خفض عند النحويين ، أما النصب فعلى إضمار الفعل ، لأنه قال : عائذاً ، فأعلم أنه خائف ، فكأنه قال : أخاف أن يعلو فيطغوني ، وأما الخفض فعلى إضمار حرف الجر ، فكأنه قال : من أن يعلو ، وهو مذهب الخليل وسيبويه في أن المخففة وأن المشددة نحو قوله تعالى : « إن هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة » الأنبياء تقديره : لأن هذه ، وجاز إضمار حرف الجر في هذين الموضعين ، وإن كانت حروف الجر لا تضمر ، لأنهما موصولتان بما بعدهما ، فطال الاسم بالصلة ، فجاز حذف الجر تخفيفاً . ولقائل أن يقول : هذه دعوى ادعيتم أن أن وما بعدها اسم مخفوض ، وهو لا يظهر فيه الخفض ، ثم بنيتم التعليل على غير أصل ؛ لأن الخفض لم يثبت بعد ، فنقول : إنما علمنا أنه في موضع خفض لوقوعه في موضع لا يقع فيه إلا المخفوض بحرف الجر نحو قوله سبحانه : « وأَجْدَرُ ألاَّ يعلموا حُدودَ ما أنزل اللّه » التوبة ونحو قوله تعالى : « أحَقُّ أنْ تقوم فيه » التوبة ونحو قوله : « أنْ تَضِلَّ إحداهما » البقرة . فقوله تعالى : « أجدر ألاَ يعلموا » ، معناه : بأن لا يعلموا ،